منذ تسعينات القرن العشرين وحتى الآن تخضع واجهة الإسكندرية البحرية لعمليات سبر الأغوار سواء بأجهزة المسح الجيوفزيقى أو عن طريق الغوص. وقد أدى تراكم المعلومات التي تحصلنا عليها إلى التعرف وبشكل شبه دقيق على طبوغرافية هذه المنطقة المغمورة بالمياه والتي كانت خافية علينا منذ غرق هذا الجزء من ساحل الإسكندرية قديما. وقد أدت الاكتشافات في المنطقة أيضا إلى التعرف على جوانب تاريخية وإدارية واقتصادية وفنية للإسكندرية وساكنيها في العصرين اليوناني والروماني
منذ تأسيس مدينة الإسكندرية من قبل الإسكندر الأكبر في عام 332 قبل الميلاد، شهدت المدينة نمواً وازدهاراً متواصلين. ففي غضون بضعة عقود من انشائها، أصبحت مركزًا تجاريًا رئيساً لعالم البحر الأبيض المتوسط القديم، وعلى مدار أكثر من ثلاثمائة عام، ظلت أغنى المدن وأكثرها اكتظاظًا بالسكان
طبيعي إذ اعتمد انشاء المدينة في الأساس على وجودها على الساحل وربطها بجزيره فاروس المقابلة لها، مما أدى إلى تكون مينائين طبيعيين في البداية، واحد في الغرب والآخر في الشرق وهو الأهم في تلك الفترة
تأثرت الإسكندرية منذ تأسيسها بعمليتين طبيعيتين وهما الترسيب والهبوط الجيولوجي. وقد أدى هذان العاملان إلى تغييرات واسعة النطاق على الطبوغرافيا المحلية، مما تسبب في فقدان العديد من المعالم القديمة للمدينة. كما أظهرت الحفائر أن مستوى الأرض الحالي بالمدينة أعلى بعدة أمتار مما كان عليه في السابق.. فيلزم على علماء الآثار الحفر على عمق ستة أو سبعة أمتار من أجل الوصول إلى بقايا العصر الروماني؛ وقد يصلون إلى عمق اثني عشر إلى أربعة عشر مترا في بعض المناطق للعثور على الطبقات البطلمية. وهذا العمق عادة ما يكون تحت مستوى الماء. و يمكن رؤية جزيرة أنتيرودوس في يوم صافٍ تحت مياه الميناء الشرقي. هناك عدة أعمدة تقف تحت مياه الميناء الشرقي يمكن رؤيتها بوضوح في الأيام الصافية. وأنها شكلت عقبة تمنع السفن من الوصول إلى الشاطئ حيث تقف المسلات، في حين نعلم أنه في العصر الروماني كان يمكن للسفن أن تبحر إلى الشاطئ مباشرة. كل هذه الاعتبارات دعت المختصين إلى الاعتقاد بأن البقايا والمواقع الأكثر أهمية لإسكندرية القديمة ما زالت مغمورة تحت مياه البحر. وأن ما ظهر بها ليس سوى عينة صغيرة من الثروة الأثرية المخبأة تحت هذه المياه
وقد أدت أعمال التنقيب تحت الماء التي بدأت فى الإسكندرية منذ عام 1908 إلى الكشف عن مواقع عديدة بالدخيلة وفى شمال جزيرة فاروس فيما يعرف بميناء جونديه، وبقايا فنار الإسكندرية على الطرف الشرقي للجزيرة نفسها، والحى الملكي وبقايا الميناء الكبير بالميناء الشرقي، وبقايا رأس لوخياس الغارقة في الناحية الشرقية منها قبالة المكتبة حاليا، والمواقع الواقعة قبالة شوطئ الإسكندرية بالشاطبي والإبراهيمية وسبورتنج وسيدى جابر وجزيرة الكور وبير مسعود، وكذلك موقع المعمورة فضلا عن الحفائر الشهيرة بخليج أبى قير حيث تقبع بقايا حي شرق كانوب ومدينة هيراقليون
بدأت الموجة الأولى للتنقيب عن الآثار بشكل فردى وعن طريق الصدفة ولكن بقواعد علمية سليمة في 1908 وأعقبهتا موجات أخرى في ثلاثينات وستينات وثمانينات القرن الماضي حتى تطورت وأصبحت حفائر علمية منظمة في موجة بدأت من عام 1994 مازالت مستمرة حتى الآن بفضل تكوين إدارة مختصة بهذا العمل تابعة للمجلس الأعلى للآثار
ميناء فاروس تلك السلسلة الصخرية المغمورة بالمياه والتي تمتد شمال جزيرة فاروس . تشير البحوث والدراسات الجيولوجية والجيومورفولوجية التي قام بها الجيولوجيون أسباب الغرق في تلك المواقع إلى وجود ظاهرة الهبوط المستمر للأرض والارتفاع المستمر لمستوى سطح البحر في الإسكندرية، فضلا عن هبوط الأرض المفاجئ جراء تسونامى عام 365 وزلزال القرن الثامن الميلادي. ويقدر مقدار الهبوط الكلى بحوالي 5 أمتار أو أكثر قليلا وارتفاع مستوى سطح البحر بأكثر من 3 أمتار محققا فارقا عن مستوى الأرض القديم بحوالي 8 أمتار مما أدي إلى غرق أجزاء من المدينة خاصة واجهتها البحرية